بعد توقيف 11 أميراً وعشرات الوزراء السابقين ورجال الأعمال.. أسرار أخطر ليلة فى ريتز كارلتون بالرياض

ليلة سيتوقف أمامها التاريخ طويلاً فى كتابة تاريخ المملكة العربية السعودية، ليلة طالت فيها سيوف القانون رقاباً كانت وظن البعض أنها بعيدة عن أية محاسبة أو حتى ملاحظة، ليلة لم تصدق فيها وسائل الإعلام ما تذيعه من بيانات حول توقيف أمراء ووزراء وكبار رجال الأعمال فى السعودية بتهم تتعلق بالفساد والاختلاس والرشى وغسيل الأموال.

ليلة ستتحدث عنها الأجيال المقبلة فى السعودية باعتبارها كانت فارقة وعلامة جادة على عهد جديد بمفردات جديدة وسياسيات تدشن لمرحلة تعبر بالسعودية إلى آفاق جديدة، فماذا يعنى توقيف 11 أميراً و4 وزراء حاليين، وعشرات المسئولين والوزراء السابقين وكبار رجال الأعمال السعوديين من جانب هيئة مكافحة الفساد التى شكلها الملك سلمان برئاسة ولى العهد الأمير محمد بن سلمان.

ربما كانت البداية تعود إلى يوم 13 يناير 2015، وهو اليوم الذى تولى فيه الملك سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم فى أكبر دولة منتجة ومصدرة للبترول فى العالم، ويومها لم يدرك السعوديون والعرب والمجتمع الدولى أن المملكة مقبلة على عهد جديد، لم تألفه من قبل، وقبل أن يمر وقت طويل وفى فجر 26 مارس 2015، أى قبل مرور 3 شهور على تولى الملك سلمان الحكم انطلقت “عاصفة الحزم” لتقليم أظافر الحوثيين وأنصار على عبد الله صالح فى اليمن، على حدود السعودية الجنوبية، ويومها قال الملك سلمان إنه لن يقبل “بحزب الله يمنى” على حدود بلاده الجنوبية.

لكن القلق الأكبر الذى كان يراود السعوديين هو كيف ومتى يتم نقل الحكم إلى الجيل الثانى فى المملكة، التى تشكل عنصر الاستقرار الأبرز فى جنوب غرب آسيا؟ ونجح الملك سلمان فى هذا التحدى الكبير بمهارة شديدة فى اختيار الأمير الشاب محمد بن سلمان ولياً للعهد، وهو ما يعنى “إطالة زمن الاستقرار” فى المملكة، حيث أعلن الأمير محمد بن سلمان عن حزمة من المبادرات فى مقدمتها مبادرة 2030، وهى الرؤية التى تهدف لتنويع مصادر الدخل وعدم الارتهان لأسعار النفط التى تتغير بتغير الظروف السياسية والاقتصادية فى المنطقة والعالم، تلك الرؤية التى تتيح آفاق غير مسبوقة للاقتصاد السعودى لم يفكر فيها أحد من قبل.

وكان “ترتيب الأولويات” للمملكة أهم الاختبارات أمام القيادة السياسية السعودية الجديدة، فى ظل التحديات الكبيرة التى تمر بها المنطقة منذ أحداث عام 2011، وكيف يمكن التعامل مع “ألسنة اللهب” بالمنطقة التى تتمثل فى الإرهاب وإيران، وتراجع أسعار النفط؟ ونجحت السعودية فى مكافحة الفكر المتطرف، وألقت القبض على خلايا الفكر الضال.

وقامت بحملة كبيرة أسهمت فى تراجع معتنقى الفكر المتطرف، كما إنخرطت السعودية بقوة فى محاربة الإرهاب، سواء من خلال دعمها لعمليات التحالف الدولى للحرب على داعش فى سوريا والعراق، أو من خلال استضافتها للقمة العربية الإسلامية الأمريكية الذى دشنت “مركز اعتدال” لمحاربة الفكر الإرهابي.

مكافحة الفساد:

ومع مكافحة الإرهاب والتمدد الإيرانى ووضع بدائل لتراجع عائدات النفط، قال الملك سلمان منذ البداية أنه لن يفرق بين الأمير والغفير، وأن الجميع سواسية، وأن مكافحة الفساد ستطول الجميع، وأنه فى سبيل مكافحة الفساد والمفسدين لا يوجد “كبير” على القانون، فأصدر العاهل السعودى أمرا ملكيا بتشكيل لجنة عليا لمكافحة الفساد برئاسة ولى العهد الأمير محمد بن سلمان، وتتمتع اللجنة الجديدة بسلطات واسعة النطاق من بينها التحقيق وإصدار أوامر القبض والمنع من السفر وكشف الحسابات والمحافظ وتجميدها وتتبع الأموال والأصول.

وقال الأمر الملكى “لن تقوم للوطن قائمة ما لم يتم اجتثاث الفساد من جذوره، ومحاسبة الفاسدين وكل من أضر بالبلد وتطاول على المال العام”.

وقال الأمر الملكى إن عمليات الاحتجاز جاءت “نظرا لما لاحظناه ولمسناه من استغلال من قبل بعض ضعاف النفوس الذين غلبوا مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة، واعتدوا على المال العام دون وازع من دين أو ضمير أو أخلاق أو وطنية”.

تجميد الأموال:

وأعلنت السلطات السعودية أنها جمدت 1200 حساباً مصرفياً للشخصيات التى أوقفت فى المملكة على خلفية قضايا فساد، مؤكدة رفضها لأى معاملة “تفضيلية”، وقال مركز التواصل الدولى التابع لوزارة الإعلام إن المبالغ التى يتضح أنها مرتبطة بقضايا فساد ستتم إعادتها إلى الخزينة العامة للدولة السعودية، وقدرت مصادر سعودية الأموال التابعة للفاسدين بنحو تريليونى ريال سعودى.

وقال النائب العام السعودى الشيخ سعود بن عبدالله بن مبارك المعجب فى بيان، إن “المشتبه بهم يملكون الحقوق ذاتها والمعاملة ذاتها كأى مواطن سعودي”، مضيفاً أن “منصب المشتبه به أو موقعه لن يؤثر على تطبيق العدالة”، كما أضاف النائب العام السعودى أن اللجنة بدأت عملها “بعدد من التحقيقات فى إطار سعى النظام القضائى إلى مكافحة الإرهاب” مؤكداً إعادة فتح ملف سيول جدة والتحقيق فى قضية وباء “كورونا”.المصدر : صحف.